أحمد أمين
77
كتاب الأخلاق
ويمتاز هذا المذهب عن مذهب السعادة بنوعيه ، بأنه : 1 - يرى أن الفضائل فضائل في جميع الظروف ، وفي كل زمان ومكان ، وليس كونها فضيلة تابعا لغاية إذا وصلت إليها كانت خيرا وإلا كانت شرا . 2 - أن الفضائل أمور بديهة ليست في حاجة إلى البرهنة على صحتها . 3 - وأنها ليست محلا للشك ، فمن المحال أن نرى يوما ما أن ضدها هو الخير ، وأنها هي الشر . وهذه القوة التي يسميها بعضهم « الوجدان » في طبيعة كل الأنواع البشرية ، العالي منها والسافل ، ولسنا نعني بهذا أنها موجودة في الناس جميعا على درجة واحدة من الرقي ، وإنما نعني أنها طبيعة في الناس جميعا كحاستي السمع والنظر وإن اختلفت قوة وضعفا ، وأنها ككل ملكات الإنسان قابلة للترقية بالتربية . وقد اختلف القائلون باللقانة ، فبعضهم جعلها قوة من الشعور وبعضهم جعلها من قوى العقل ، وأيضا قال بعضهم : إن اللقانة ملكة فينا تخبرنا عن كل حادثة وكل جزئية بأن هذا خير وذاك شر . وقال آخرون : إن اللقانة إنما تخبرنا بالكليات ، فتخبرنا بأن الصدق مثلا خير والكذب شر ، ولكن لا تخبرنا بالجزئيات ، فإذا حصلت جزئية ، فالقوة العقلية التي فينا أو قوة الاستنتاج هي التي تحكم على الجزئية مستمدة ذلك من القاعدة العامة التي بينتها اللقانة ، ولا يسع هذا المختصر تفصيل كل رأي من هذه الآراء . وعلى الجملة ، فهذا المذهب بآرائه المختلفة يرى أن الإنسان يجب أن يكون أرقى من أن تسيره اللذة والألم ، وليس قانون الأخلاق وأوامره خاضعة لنتائج العمل ، ولا لما فيه من اللذائذ والآلام ، وإنما ركب في أنفسنا ضمير يناجي الإنسان ويأمره بالخير وبالواجب . نعم ، إن هذا الخير أو الواجب قد يثمر لذة وسعادة ، وقد تسير الإنسان - إلى حد ما - رغبته في اللذة وفراره من الألم . ولكن هذا الضمير لا يخضع لذلك ، بل قد يتطلب أحيانا أن يضحي باللذة والسعادة والحياة نفسها للواجب ، والواجب واجب ولو منع لذة واستتبع ألما ، والخير خير في ذاته مهما كلف من المشاق ؛ وأنه لحط من كرامة الإنسان أن يمسك دائما ميزانا يزن به كل عمل قبل أن يعمل ليرى ما ينتجه من لذائذ وآلام ،